الشيخ محمد علي طه الدرة

26

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 16 ] مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ ( 16 ) الشرح : مِنْ وَرائِهِ أي : من أمام الجبار العنيد ، وانظر الآية رقم [ 71 ] من سورة ( هود ) عليه السّلام تجد ما يسرك ويثلج صدرك . جَهَنَّمُ أي : فإنه مرصد بها ، واقف على شفيرها في الدنيا ، مبعوث إليها في الآخرة ، وقيل : المعنى من وراء حياة الجبار العنيد جهنم . وَيُسْقى أي : الجبار العنيد . مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ أي : مثل الصديد ، كما يقال للرجل الشجاع : أسد ؛ أي : مثل الأسد ، وهو تمثيل وتشبيه ، وقيل : هو ما يسيل من أجسام أهل النار من القيح والدم ، وقال محمد بن كعب القرظي : هو ما يسيل من فروج الزناة ، والزواني ، وانظر الآية التالية . الإعراب : مِنْ وَرائِهِ : متعلقان بمحذوف صفة ثالثة للموصوف المحذوف ، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم . جَهَنَّمُ : فاعل بالجار والمجرور لاعتمادهما على الموصوف ، وفي الحقيقة نائب فاعل لفعل مقدر ؛ أي : يوجد من ورائه جهنم . هذا ؛ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ، و جَهَنَّمُ مبتدأ مؤخر ، والجملة الاسمية صفة للموصوف المحذوف ، أو حال منه على نحو ما تقدم . وَيُسْقى : الواو : حرف عطف . ( يسقى ) : مضارع مبني للمجهول مرفوع ، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف ، ونائب الفاعل يعود إلى الشخص الجبار ، وهو المفعول الأول . مِنْ ماءٍ : متعلقان بالفعل قبلهما ، وهما في محل نصب مفعوله الثاني . صَدِيدٍ : عطف بيان ، أو بدل من ماءٍ ، وقيل : هو نعت ل : ماءٍ ، كما تقول : هذا خاتم حديد ، والبصريون لا يجيزون عطف البيان في النكرات ، وأجازه الكوفيون ، وتبعهم الفارسي ، وهو بصري . وجملة : ( يُسْقى . . . ) إلخ معطوفة على الصفة قبلها ، فهو عطف جملة فعلية على مثلها على الإعراب الأول في : مِنْ وَرائِهِ وعطف جملة فعلية على اسمية على الإعراب الثاني ، وقيل : الجملة معطوفة على جملة محذوفة ، التقدير : يلقى فيها ، ويسقى ، فيكون المحل للمقدرة ، وجملة : ( يُسْقى . . . ) إلخ تابعة لها . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 17 ] يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ ( 17 ) الشرح : يَتَجَرَّعُهُ أي : يتحسى الجبار العنيد الماء الصديد ، ويشربه لا بمرة واحدة ، بل يبتلعه جرعة بعد جرعة لمرارته ، وكراهته ، وحرارته ، ونتنه ، فعن أبي أمامة - رضي اللّه عنه - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله تعالى : وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ ( 16 ) يَتَجَرَّعُهُ قال : « يقرّب إلى فيه فيكرهه ، فإذا أدني منه شوى وجهه ، ووقعت فروة رأسه ، فإذا شربه ، قطّع أمعاءه حتى تخرج من دبره » .